ابو بكر بن طفيل

58

حي بن يقظان

يبتدئان من هذه الجهة المتناهية ، ويمران في سمك الجسم إلى غير نهاية حسب امتداد الجسم ، ثم تخيلت ان أحد هذين الخطين قطع منه جزء كبير من ناحية طرفه المتناهي ثم اخذ ما بقي منه وأطبق طرفه ، الذي كان فيه موضع القطع ، على طرف الخط الذي لم يقطع منه شيء ، وذهب الذهن كذلك معهما إلى الجهة التي يقال إنها غير متناهية ، فاما ان نجد الخطين ابدا يمتدان إلى غير نهاية ، ولا ينقص أحدهما عن الآخر ، فيكون الذي قطع منه جزء مساويا للذي لم يقطع منه شيء ، وهو محال ؛ كما أن الكل مثل الجزء محال . واما ان لا يمتد الناقص معه ابدا ، بل ينقطع دون مذهبه ، ويقف عن الامتداد معه ، فيكون متناهيا ؛ فإذا رد عليه القدر الذي قطع منه أولا ، وقد كان متناهيا ، صار كله أيضا متناهيا ، وحينئذ لا يقصر عن الخط الآخر الذي لم يقطع منه شيء ، ولا يفضل عليه ، فيكون اذن مثله ، وهو متناه ؛ فذلك أيضا متناه . - فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط متناه ، وكل جسم يمكن ان تفرض فيه هذه الخطوط . فكل جسم متناه . فإذا فرضنا ان جسما غير متناه ، فقد فرضنا باطلا ومحالا . يبحث عن شكل العالم الفلك على شكل الكرة ودليله رجوع الكواكب إلى المشرق بعد مغيبها . وهي تبدو على حجم واحد لكل كوكب منذ شروقه إلى غروبه . فلما صحّ عنده بفطرته الفائقة التي تنبهت لمثل هذه الحجة ، ان جسم السماء متناه ، أراد ان يعرف على اي شكل هو ، وكيفية انقطاعه بالسطوح التي تحده . فنظر أولا إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب ؛ فرآها كلها تطلع من جهة المشرق ، وتغرب من جهة المغرب . فما كان منها يمرّ على سمت رأسه رآه يقطع دائرة عظمى ، وما مال عن سمت رأسه إلى الشمال ، أو إلى الجنوب ؛ رآه يقطع دائرة أصغر من تلك . وما كان ابعد عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين ، كانت دائرته أصغر من دائرة ما هو أقرب ، حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب دائرتين اثنتين : إحداهما حول القطب الجنوبي ، وهي مدار سهيل ، والأخرى حول القطب الشمالي ، وهي مدار الفرقدين . ولما كان مسكنه على خط الاستواء الذي وصفناه أولا ، كانت هذه الدوائر كلها قائمة على سطح أفقه ومتشابهة الأحوال في الجنوب والشمال ، وكان القطبان معا ظاهرين له ، وكان يترقب إذا طلع كوكب من الكواكب على دائرة كبيرة ، وطلع كوكب آخر على دائرة صغيرة ، وكان طلوعهما معا ، فكان يرى غروبهما معا .